عندما لا يكون الصمت حياداً… بل تقصيراً مهنياً

عندما لا يكون الصمت حياداً… بل تقصيراً مهنياً

في الممارسة اليومية، قد تمر على الأخصائي الاجتماعي حالات تبدو وكأنها حالات “عادية” في ظاهرها، لكنها تحمل في عمقها مؤشرات خطر عالية تتطلب انتباهاً مهنياً دقيقاً. هنا لا يُقاس الأداء بعدد الحالات التي تم تقييمها، بل بقدرة الأخصائي على اكتشاف ما لم يُقال، وقراءة ما بين السطور.

الخدمة الاجتماعية ليست استجابة سطحية لطلبٍ مباشر، بل هي مهنة تقوم على الاستبصار بالمخاطر، وتحويل المؤشرات الخفية إلى قرارات مهنية واضحة، ففي بعض الحالات، قد تظهر معلومات تبدو “قديمة” أو “عابرة”، لكنها في الحقيقة تحمل دلالات قوية على خطر مستمر، أو بيئة غير آمنة، أو احتمالية تكرار الأذى، وهنا يكمن الاختبار الحقيقي للأخصائي الاجتماعي:

هل يتعامل مع المعلومة كحدث مضى وانتهى؟

أم كإشارة تستدعي التقييم والتحقق والتدخل؟

الممارسة المهنية الرشيدة لا تقف عند جمع المعلومات، بل تمتد إلى تحليلها، وربطها بالسياق، وتقدير مستوى الخطورة، واتخاذ الإجراء المناسب، وإن تجاهل المؤشرات عالية الخطورة، أو إعادة تفسيرها بشكل أقل حساسية، لا يُعد حياداً أو ستراً، بل هو انحراف عن جوهر الدور المهني، كما أن التوثيق ليس مجرد تسجيل لما قيل، بل هو أداة مهنية تعكس فهم الأخصائي الاجتماعي للحالة وتقدير الجانب الاجتماعي والبيئي باحترافية عالية، وتُظهر أيضاً تقديره للمخاطر، وتدعم قراراته, فالتوثيق الضعيف لا يحجب الحقيقة فقط، بل قد يُسهم في استمرار الخطر دون تدخل.

ومن الأخطاء الشائعة في مثل هذه الحالات، تحويل القضية من مسارها الحقيقي إلى مسار أقل تعقيداً، بدافع تجنب التصعيد أو تقليل الحساسية. لكن الممارسة المهنية لا تُبنى على ما هو أسهل، بل على ما هو أكثر أماناً للمريض ومن حوله.

إن الأخصائي الاجتماعي ليس مراقباً محايداً، بل هو عنصر فاعل في منظومة الحماية. ودوره لا يقتصر على الدعم، بل يشمل التقدير، والتدخل، والتصعيد عند الحاجة، وأخيراً، فإن غياب الإشراف المهني لا يمر بصمت، بل ينعكس على جودة القرار، ويُسهم في تراكم الأخطاء واتساع دائرة التقصير، لتكون النتيجة ضياع حقوق أفراد كان من الممكن حمايتهم بشكل أفضل.

الصورة الرمزية لـ عبدالله الحجاجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


This will close in 0 seconds