في المستشفى، كل دقيقة قد تغيّر مسار حالة. وفي بعض اللحظات، لا يتعلق الأمر بالمهارة الطبية فقط، بل بسرعة التواصل، والتنسيق، وقدرة الفريق على اتخاذ قرار يساهم في إنقاذ حياة شخص في الوقت المناسب.
القصة لمريض مسن، يبلغ من العمر ٨٦ عاماً، واعياً ولكنه غير مدرك بشكل كافٍ لاتخاذ قرار تدخل جراحي مصيري. رأى الفريق الطبي أن التدخل الجراحي عاجل، لكن تردد المريض وضع الجميع أمام مسؤولية البحث عن أقرب شخص يمكنه اتخاذ القرار نيابة عنه.
تم تحويل الحالة إلى الأخصائي الاجتماعي في الساعة ١١ صباحاً. الابن كان في شرق المملكة، والمريض يرقد في غربها. ورغم حساسية الوقت، اقتصر الجهد على الاتصال بالرقم المسجل في الملف الطبي دون متابعة حثيثة، ودون الإصرار على إجراء اتصال مرئي أو البحث عن بدائل للوصول إلى الابن بشكل أسرع.
في المغرب وصل الابن، لكن الوقت كان قد غيّر كل شيء.
توقف قلب المريض لـ ١٦ دقيقة وتم إنعاشه ثم وُضع على جهاز التنفس الاصطناعي، وبعد ساعات توقف قلبه مرة أخرى وأُعلنت وفاته.
هذه القصة ليست للمحاسبة بأثر رجعي، ولا لتوجيه الاتهام لشخص بعينه. فالوفاة قضاء وقدر، والمسؤولية في المستشفى منظومة كاملة. لكن الموقف يكشف نقطة مهنية مهمة: أن دور الأخصائي الاجتماعي في مثل هذه الحالات لا ينبغي أن يُختزل في اتصال عابر أو محاولة تقليدية للوصول إلى الأسرة.
وبحسب الدليل السعودي للإذن الطبي، فإن الإجراءات الجراحية العاجلة لا تتوقف بالضرورة على حضور ولي الأمر. ففي حال كان المريض غير مدرك بشكل كافٍ لاتخاذ القرار وتعذّر الوصول لمن يمثله خلال وقت مناسب، يحقّ للمنشأة الصحية تشكيل لجنة طبية لاتخاذ القرار المناسب حفاظاً على حياة المريض. وتتكون اللجنة عادة من طبيبين مختصين وعضو من الإدارة الطبية، ويشارك فيها الأخصائي الاجتماعي بوصفه حلقة الربط مع الأسرة. هذا الإجراء ليس بديلاً عن رضا الأسرة، لكنه آلية نظامية معتمدة تُفَعَّل عندما تتطلب الحالة تدخلاً سريعاً ولا يمكن الانتظار.
المسألة في جوهرها ليست خطأً فردياً، بل تحدٍّ مرتبط بالمنظومة.
كثيراً ما يُستدعى الأخصائي الاجتماعي متأخراً، وتُحصر صلاحياته في دور محدود، ثم يُنتظر منه أن يحقق نتائج كبيرة في وقت قصير. ولذا فإن تعزيز دوره يتطلب:
- استدعاءه مبكراً في الحالات ذات القرار المصيري.
- منحه الصلاحيات والأدوات التي تمكّنه من أداء دوره.
- ترسيخ ثقافة العمل الجماعي التي ترى فيه شريكاً أساسياً لا مجرد حل احتياطي أو إعفاء للمسؤولية.
الوقت في المستشفى لا يرحم، والقرارات المؤجلة قد تُفقد المريض فرصة.
ولهذا يبقى التدخل المبكر، والتنسيق الفعّال، وتمكين الأخصائي الاجتماعي عناصر أساسية في رفع جودة الرعاية وتحقيق أفضل ما يمكن للمريض وأسرته.
لمتابعة جديد المقالات: فضلاً تابع قناة الخدمة الاجتماعية الطبية على واتساب: https://www.whatsapp.com/channel/0029VaDAUcrEFeXedBV3Zl3o


اترك تعليقاً