الهروب من العزل

الهروب من العزل

سرد حالة وتأملات مهنية لأخصائي اجتماعي في المستشفى

حين يُبلّغ المريض بقرار العزل، لا تكون المواجهة مع الفيروس وحده، بل مع فكرة الانفصال عن العالم.
في مقالٍ سابق بعنوان «عزل المريض ليس عزلاً اجتماعياً؟» تناولتُ أهمية ألا يتحول العزل الطبي إلى عزلةٍ إنسانية، واليوم أروي تجربة واقعية بدأت بما يشبه “الهروب من العزل” قبل أن تتحول إلى قصةٍ من التفاهم والطمأنينة.

البداية: الخوف الذي سبق العدوى

مريضة سبعينية أُبلغت بأن نتيجتها إيجابية لفيروس H1N1، وأنها بحاجة إلى التنويم مع تطبيق احتياطات العزل.
لكن ما إن سمعت هي وابنتها عبارة «غير مسموح بالمرافقة» حتى تبدّل المشهد تماماً، فقد تحوّل القرار الطبي في ذهنها إلى عزلةٍ قاسية، وغرفةٍ بدت كأنها تُحبس فيها مخاوفها.
بدأت المريضة تكرر: ما أقدر أجلس لحالي… خلوني أطلع على مسؤوليتي.” وما زاد الوضع تعقيداً إصرار الابنة على المرافقة أو الخروج استجابة لطلبات والدتها عندها أصبح الحديث عن العدوى أقل حضوراً من الخوف من الوحدة وبدأت الأفكار السلبية تتزايد من توقع الإهمال وعدم المتابعة، وكأن الفيروس الأقل خطورة هو الذي في جسدها، بينما الأخطر كان في ذاكرتها ومشاعرها، ومع إصرار الكادر الطبي على العزل والسماح بالخروج على المسئولية كانت المفارقة.

المفارقة: حين تتبدل الأولويات

تساءلت في داخلي: كيف يمكن السماح بقرار خروج المريضة على المسئولية إلى منزلٍ لا تتوفر فيه شروط الوقاية، بينما يُمنع وجود مرافقةٍ داخل المستشفى تحت إشراف الفريق المعالج؟
هذه المفارقة ليست اتهاماً للسياسات الطبية، بل تذكيرٌ بأن الاحتياج الإنساني لا يقل أهمية عن الإجراء الوقائي.
فالخوف من “العزلة” قد يجعل المريض يختار الخطر الملموس (الخروج) على حساب الأمان الطبي (البقاء).
وهنا تتضح قيمة التدخل الاجتماعي حين يصبح “الوعي الإنساني” هو مفتاح الالتزام بالخطة العلاجية.

التدخل المهني: الإصغاء قبل الإقناع

قابلت ابنة المريضة بعد تنسيق سريع مع الفريق المعالج وحينها لم أحمل أوراقاً ولا نماذج، بل اعتمدت على نبرة هادئة ونية انصات.
المريضة بدت مرهقة، وابنتها أكثر توتراً. لم يكن الرفض تحدياً للقرار، بل هروباً من الشعور بالعزلة.

بدأتُ الحديث من حيث انتهت مشاعرها:

“تخافين تكونين لوحدك، صح؟”
أومأت برأسها.
وعندما بدأت تشرح أسباب رفضها لم يكن هناك سبباً أو مدخلاً لتصحيح الأفكار، وبعد مناقشة وضع الخروج أوضحت الابنة بأن والدتها تعيش معها وأن لديها أطفال (وهنا كان المدخل) فأخبرتها بأن خطر انتقال العدوى يزداد مع الأطفال ومباشرة ردت الابنة بأنها ستقوم بعزلها في غرفة، وبادرتهم بسؤال/ أليس من الأولى أن يكون العزل تحت إشراف طبي؟

في تلك اللحظة، لم يكن المطلوب أن أشرح تعليمات العدوى، بل أن أُعيد تعريف معنى العزل في ذهنها.
قلت بهدوء: “وجودك هنا هو لحمايتهم، وليس إبعادك عنهم. إذا خرجتِ، ممكن وبدون قصد تؤذيهم، وأنتِ أكثر من يحرص عليهم.”

“وجودك هنا هو لحمايتهم، وليس إبعادك عنهم. إذا خرجتِ، ممكن وبدون قصد تؤذيهم، وأنتِ أكثر من يحرص عليهم.”

تحول الحديث من خوفٍ إلى مسؤولية، ومن رفضٍ إلى تفكيرٍ منطقيٍّ دافئ، لم أفرض قناعة، بل ساعدتها على أن ترى القرار بعين الأم لا بعين المريضة، مباشرة، وافقت على البقاء بهدوء، وطلبت فقط أن تُطمئن ابنتها كل فترة.

بعد التنويم: هدوءٌ مؤقت وتحدٍ جديد

بعد بضع ساعات، ومن خلال متابعتي لملفها الطبي لاحظت بأن الفريق الطبي قد قرر خرجها بشرط استقرار نسبة الاوكسجين في الدم أعلى من 92%.
الخبر كان مفرحاً للأسرة، لكنه ما لبث أن تحوّل إلى توتر حين تراجعت النسبة فجأة.
بدأ القلق يعود للمريضة، وشعرت وكأنها “سُجنت” من جديد.
تواصلت مع الفريق التمريضي والطبيب، وتأكدت أن الحالة تحتاج مزيداً من المتابعة والعناية النفسية، فتم إلغاء قرار الخروج مؤقتاً.

في تلك اللحظة، كان دوري أن أحمي “الاتزان النفسي” للمريضة والأسرة معاً، لم أعد أتحدث عن الفيروس أو الأجهزة، بل عن الثقة والاستقرار العاطفي، لأن المريض لا يقاوم المرض فقط، بل يقاوم الشعور بالعجز وفقدان السيطرة.

الدروس المستفادة: ما وراء العزل

نحو مفهوم “الرفيق الآمن

ومن هذه التجربة، أرى أن تطوير بروتوكول “الرفيق الآمن في غرف العزل يمكن أن يوازن بين الأمان الطبي والدعم النفسي، ويتضمن:

بهذا الشكل يتحول العزل من “قيد” إلى “رعاية إنسانية محمية”، ويشعر المريض أن النظام لم يُغلق الباب عليه، بل فتح له باباً آمناً للتواصل.

نهاية الموقف: حين انتصر الوعي على الخوف

بعد أيام من المتابعة، استقرت حالة المريضة وخرجت من المستشفى وهي تبتسم.
قالت لي قبل مغادرتها جملة لم أنسها:

“كنت أظن إنهم بيعزلوني عن الناس، لكن اكتشفت إنهم كانوا يحموني منهم.”

هذه الجملة تختصر فلسفة الخدمة الاجتماعية في المستشفى:
لسنا هناك لشرح السياسات، بل لترميم الشعور الإنساني حين ينهار أمام القرارات الطبية.
العزل في جوهره ليس غياباً عن الناس، بل حماية لهم — والمهمة الحقيقية للأخصائي الاجتماعي هي أن يُقنع المريض بهذه الحقيقة دون أن يشعر بأنه فُرض عليه شيء.

رسالة للأخصائيين الاجتماعيين

في المواقف المعقّدة لا يبحث المريض عن من يقنعه، بل عن من يفهمه، فالإنصات الصادق هو أول خطوة في العلاج، وهو ما يفتح الباب أمام المريض ليتحدث عن مخاوفه دون تردد.
حين نمنح المريض فرصة كاملة للتعبير، نكتشف أن رفضه للعلاج ليس عناداً، بل وسيلة دفاع أمام ما لا يستطيع تفسيره.
ومتى فهمنا أبعاد المشكلة من زاويته لا من زاويتنا، نستطيع أن نعيد بناء الثقة، ونحوّل الخوف إلى تعاون، والعزلة إلى رعاية.

الخاتمة

قصة “الهروب من العزل” تذكّرنا أن أكثر ما يخيف المريض ليس المرض، بل فقدان الشعور بالأمان.
حين نُدير الموقف بإنسانية، يتحول القرار الطبي من مصدر توتر إلى تجربة علاجية متوازنة.
العزل الطبي ضرورة، لكن العزل الإنساني خيار، ونحن الأخصائيين الاجتماعيين مسؤولون عن رفضه كل يوم، بوعينا، وصبرنا، وصدقنا في الإصغاء.

لمتابعة جديد المقالات: فضلاً تابع قناة الخدمة الاجتماعية الطبية على واتساب: https://www.whatsapp.com/channel/0029VaDAUcrEFeXedBV3Zl3o

الصورة الرمزية لـ عبدالله الحجاجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


This will close in 0 seconds