منذ سنوات والأخصائيين الاجتماعيين بالمستشفيات يتْبعون نهجاً محدداً في التدخلات المهنية، وهو كالتالي:
بعد تنويم المريض يتم المرور عليه ثم عمل التقييم المبدئي وفي حال الاحتياج يتم عمل دراسة حالة أو ما يطلق عليه التقييم الاجتماعي الشامل بحسب الدليل الأخير لسياسات وإجراءات الخدمة الاجتماعية الطبية 2022، وسبق أن كتبت أكثر من مقال بشأن التوثيق المهني والتقييم المبدئي ودراسة الحالة، وبحكم خبرتي وعملي في عدة مستشفيات ومع العديد من الزملاء لاحظت اختلافاً شاسعاً ما بين الأخصائيين الاجتماعيين عند التعامل مع الحالات وهذا الاختلاف ساهم بشكل كبير في تباين التدخلات المهنية ومنها أصبح البعض يتحاشى التعامل مع نموذج دراسة الحالة لأنه وببساطة قد قرر بأن الحالة لا تحتاج لإجراء دراسة حالة، وقد كانت هناك محاولة من قبل الإدارة العامة للصحة النفسية والخدمة الاجتماعية بوزارة الصحة ممثلة في إدارة الخدمة الاجتماعية بعمل مؤشر يساهم في تطوير أداء الأخصائيين الاجتماعيين (وإن كنت لا أتفق مع نتائجه) فأصبح البعض يعتمد وللأسف على أرقام وهمية بهدف إكمال المؤشر.
أتذكر في فترات سابقة كان بعض الزملاء العاملين بإدارات الصحة النفسية والاجتماعية بالمديريات يقومون بجولات على أقسام الخدمة الاجتماعية بالمستشفيات بهدف متابعة وتطوير التدخلات المهنية للأخصائيين الاجتماعيين وكانت الملاحظات مستمرة بدون تحسين لأسباب عديدة من أهمها نقص الكفاءة المهنية لدى عدد من الأخصائيين الاجتماعيين إضافة إلى أن نموذج دراسة الحالة (التقييم الاجتماعي الشامل) بفقراته الحالية قد لا يساعد فعلياً على توضيح الجانب الاجتماعي للحالات وخطة التدخل المهني وبالتالي تكون النماذج غير مؤثرة على سير الخطة العلاجية التي ينشدها الفريق المعالج.
لنعود لأيام دراسة البكالوريوس وعند شرح دراسة الحالة لنا فإنها لم تكن مجرد نموذج مكوّن من 3 أوراق بل أداة تهتم بجمع أكبر قدر من البيانات وتحويلها إلى معلومات ثم الحصول على مستندات رسمية ومقابلات والكثير من الإجراءات بهدف الوصول إلى تشخيص وعلاج مناسبين، وأتذكر تماماً بأننا طبقنا هذا المفهوم مع مرضى الفشل الكلوي عندما تم عمل ملف اجتماعي لكل مريض يحتوي على كم من المعلومات الاجتماعية التي تساعد الفريق المعالج وتساعد الأخصائيين الاجتماعيين على متابعة الحالات، وهنا لابد أن أشير بالذكر إلى سعادة الدكتور حسن قاسم “رحمة الله عليه”، عندما قال بأن نموذج دراسة الحالة الاجتماعية المستخدم في المجال الطبي ماهو إلّا نموذج جمع بيانات لا أكثر ولا يعد بحد ذاته دراسة حالة.

الدكتور حسن قاسم رحمة الله عليه
من هنا كان علينا كأخصائيين اجتماعيين التأكد من النماذج الأكثر شمولية في التعامل مع الحالات والتي تساهم بشكل كبير في توضيح الجانب الاجتماعي والتدخلات المطلوبة والظروف البيئية والاجتماعية التي ساهمت في التأثير على الحالة الصحية للمرضى، وبالتأكيد أنا أتحدث عن النموذج الحيوي النفسي الاجتماعي “الروحي” والذي يُعد هو الأفضل في المجال الصحي بحسب التجارب الغربية، وتكون مخرجاته متوافقة تماماً مع الخطة العلاجية وتساعد الأخصائي الاجتماعي على تقييم الجانب الاجتماعي النفسي والبيئي والروحي من خلال مجموعة محددة من الأسئلة تساعد على ربط الأفكار وكتابة التقييم ثم الخطة العلاجية.
إذن نحن بحاجة لتطوير أدواتنا بما يواكب تطور كافة التخصصات حولنا من حيث استحداث أدوات جديدة أو دمج أخرى لتساهم في تجويد عملنا وتعزز من أدائنا وهناك جهود كبيرة من مجموعة من الأخصائيين الاجتماعيين العاملين بالإدارات العليا أو داخل الأقسام وجميعهم يرغبون بشدة في أن يكون للأخصائي الاجتماعي دور ومكانة عليا بين أقرانه من الممارسين الصحيين.
وفي النهاية أتمنى أن نصل لنموذج متكامل وموحد يدمج التقييم الاجتماعي المبدئي مع التقييم الاجتماعي الشامل، على أن يستند على النموذج الحيوي النفسي الاجتماعي “الروحي”.


اترك تعليقاً